عندما اختار البارون البلجيكي إدوارد إمبان واحة عين شمس ليقيم عليها مشروعه التعميري السكني الرائد كان يحلم بالربط بين عين شمس القديمة وعين شمس الجديدة، بل إنه حاول كثيراً البحث عن بقايا المدينة التاريخية. وعلى الرغم من أن مدينة هليوبوليس القديمة والشهيرة كانت تقع في مكان أكثر قرباً من الوادي، فإنه فشل في العثور على آثارها، إلا أنه تم إطلاق اسم «هليوبوليس» على الضاحية الجديدة (مصر الجديدة) واختار لها الربوة المرتفعة عن مستوى النيل، قريبة من أطلال مدينة عين شمس القديمة.
يقول آرثور رونيه: «كانت هليوبوليس عاصمة إقليم هليوبوليت». وكان اسمها الديني باللغة المصرية «يون» وعثر عليه في اللغتين القبطية والعربية «أون» واسمها المدني (بير رع) ومعناها مدينة الشمس. وبالتالي فإن لفظ هليوبوليس اليوناني هو ترجمة هذا الاسم. وكان بجوار هليوبوليس عين ماء معروفة سماها العرب عين شمس، فغلب هذا الاسم على المدينة وعرفت به خصوصاً وقد كان في هذا الاسم ذكرى الشمس وهي معبود أهلها القدماء.
ووصف د. بتلر حال المدينة في كتابه عن فتح العرب لمصر عندما أتى العرب، فقال إنه لم يكن باقياً من مجدها القديم إلا أسوار مهدمة وتماثيل لأبي الهول نصفها مدفون في الأرض، والمسلة الشهيرة الباقية إلى اليوم عند قرية المطرية. وكان مرجع بتلر في ذلك شامبوليون الأصغر، وقد لاحظ أن الخريطة الحديثة تجعل “أون” في موضع تل مرتفع عن الأرض، وتجعل هليوبوليس في موضع تل الحصن جنوبي هذا التل. ويقول فؤاد فرج في كتابه عن القاهرة أن هذا خطأ؛ لأن أون هي نفس هليوبوليس ومكانها تل الحصن بجوار المطرية.
أما الدكتور حسن كمال فيقول: ومدينة أون «عين شمس» كانت قاعدة القسم الثالث عشر من أقسام أو مقاطعات مصر القديمة، واسمها المدني “بير رع” أي معبد أو بيت أو مدينة الشمس، واسمها القبطي “فري” بمعنى مدينة الشمس، وهو الأصل في تسميتها باليونانية هليوبوليس.
و”أون” هذه كانت منبع الديانة المصرية ومركز دراسة علم اللاهوت والفلسفة. واختط غير بعيد عنها مدينتان شهيرتان هما “آحو” و”حا – بن – بن” والأخيرة هي مدينة بابليون ومكانها الآن مصر القديمة. وكان لهاتين المدينتين شأن عظيم في حروب أوزيريس. ومن المعروف أن مدن الوجه البحري هي التي نشرت الحضارة المصرية ووسعت نطاقها؛ لأن الصلوات والقصائد التي مدحت بها المعبودات وصارت بعد ذلك أصولاً للكتب المقدسة، كان منشؤها في مدينة أون. كما يقال لها أيضاً مدينة “يون”.
ولما انقسمت مصر إلى أعمال إدارية، انتهى بها الأمر إلى قسمين مستقلين، فكانت “أون” في الجهة البحرية مركزاً للحكومة، ومنها انبثق نور المدينة على سكان الأراضي الخصبة وأنشأ فيها الكهنة المدارس والجامعات لبحث أصول الديانات المحلية. وهكذا نشأ نظام الملك في العالم لأول مرة في مدينة الشمس على أساس أن الملك ابن الإله رع، ومثل الآلهة على الأرض – وهو مقدس – وإرادته فوق كل إرادة، وأصبحت كلمته مطاعة على الشعب دون مناقشة.
وكانت مدينة الشمس في الجهة الشمالية من المعبد حيث بقايا الأطلال العالية ولم يبق من آثارها شيء. وإن كان قد أقيم مكانها قرية عرفت باسم “تل الحصن”. وكان حول المدينة ومعبدها سور من اللبن. كما كان الحصن شمالها، وكانت للسور أبواب على أبعاد متساوية، وكان لكل باب برجان من الحجر الجيري الأبيض مدون عليهما كتابات هيروغليفية كما ذكر مكسيم ديكان في كتابه “النيل”.
ويقول ابن سعيد عن كتاب «لذة اللمس في حلى كورة عين شمس» إنها كانت مدينة عظيمة الطول والعرض، متصلة البناء بمدينة مصر القديمة حيث قامت مدينة الفسطاط بعد ذلك. ومعنى ذلك أنهم أطلقوا اسم عين شمس على موقعها الحقيقي وعلى ما يليه من أماكن إلى بابليون وإلى حصنها.
شهدت أراضي عين شمس صراعات كبرى غيرت مجرى التاريخ المصري والإقليمي. ففي أول العصر التركي – آخر العصر المملوكي – وقعت معركة عين شمس بين السلطان العثماني سليم الأول والسلطان طومان باي الذي خلف عمه الغوري. ودارت المعركة هنا في الحقول المحيطة بمسلة عين شمس في يناير 1517م، وبذلك دخل العثمانيون مصر واحتلوها حوالي 400 عام.
وفي هذا المكان أيضاً وقعت معركة عين شمس الشهيرة بين جيش الحملة الفرنسية بقيادة الجنرال كليبر، والقوات التركية التي حاولت استرجاع مصر من الفرنسيين عام 1800م، حيث أظهرت هذه المعركة الأهمية الاستراتيجية للربوات المرتفعة في المنطقة للسيطرة على مداخل القاهرة.
تؤكد متون الأهرام أن معبد رع بمدينة أون يسمى باسم “هيت سار”، أي قصر الأمير. كما تشير المتون إلى الممر المعروف باسم طريق الكباش، الذي يؤدي إلى الأبواب التي كانت تحرسها تماثيل العجول. وهذا المعبد هو الذي بناه سنوسرت الأول من ملوك الأسرة الثانية عشرة عام 2433 ق.م بمناسبة عيد الإله ست إلى الصحراء، ولم يبق منه سوى مسلة واحدة من الجرانيت لا تزال قائمة في مكانها وارتفاعها 66 قدماً، وتحمل كتابات هيروغليفية ذكر بها اسم الملك سنوسرت المحبوب من رع إله أون.
كانت بهذا المعبد أماكن مخصصة للعجل منافيس وطائر مالك الحزين الذي سماه اليونانيون “فنكس” (Phoenix)، بينما اسمه المصري هو “بنو” ويعرفه الفلاح باسم البلشون. وكانت مدينة عين شمس مقر عبادة هذا الطائر؛ إذ كان الكهنة يرون فيه إما الإله أوزيريس أو روح الإله رع. وتقول الأساطير إن عليها كان يولد هذا الطائر، رمز التجدد والخلود.
تعتبر المطرية نقطة جوهرية في مسار العائلة المقدسة. يقال إن الشجرة القديمة المقدسة التي كانت داخل المعبد، وعلى أوراقها كانت الآلهة تكتب أسماء ملوك مصر تخليداً لهم، هي شجرة الجميز المقدسة، والمعروفة الآن باسم شجرة العذراء في المطرية. فعندما جاءت العائلة المقدسة ومعها السيد المسيح إلى مدينة أون خلال هروبها إلى مصر في عصر هيرودوس حاكم فلسطين الروماني، استراحت العائلة المقدسة تحت ظل هذه الشجرة القديمة.
نمت زراعة البلسم وأصبح عصيره دواءً ناجعاً للجروح والأمراض المستعصية، وأصبح البلسان من أغلى ما يقتنى، وكان يتم حصاده بفصد فروع الشجرة وجمع السائل المتخلف في أوانٍ فضية خلال فصل فيضان النيل. أما عين المياه تحت شجرة العذراء فلا تزال باقية في المطرية، وقد ركبت عليها ساقية تروي المنطقة. وإذا كانت مياه كل عيون هذه المنطقة ملحية، إلا أن مياه هذه العين عذبة منعشة.
لا يمكن الحديث عن عين شمس دون ذكر جامعتها العريقة التي سبقت جامعة الإسكندرية بقرون. لم يبق منها إلا مسلة واحدة، وهي إحدى مسلتين أقامهما سنوسرت الأول عند مدخل معبد رع. أما المسلة الأخرى فقد سقطت عام 1190م. وبقيت هذه المسلة شاهداً على عظمة المنطقة والمعبد العظيم الذي اندثر.
في هذا المعبد أقام تحوتمس الثالث (الأسرة الثامنة عشرة) مسلتين نقلتهما الملكة كليوباترا إلى الإسكندرية ووضعتهما أمام معبد السيزاريوم. وقام محمد علي باشا بإهداء إحدى المسلتين إلى مدينة لندن، فأقيمت عام 1877م على ضفاف نهر التيمز (إبرة كليوباترا)، ونقلت الثانية إلى أمريكا حيث أقيمت في ميدان سنترال بارك في نيويورك.
في هذا المكان التاريخي العظيم، حيث عين شمس أو أون، اختار البارون إدوارد إمبان أن يقيم مشروعه العظيم: ضاحية مصر الجديدة، أو هليوبوليس الحديثة. لم يكن اختيار الموقع عشوائياً، بل كان محاولة لاستحضار روح المدينة المقدسة القديمة وبنائها وفق أحدث طرز العمارة في بدايات القرن العشرين، حيث تمازج الطراز الإسلامي مع العمارة الأوروبية والشرقية ليخلق نسيجاً عمرانياً لا مثيل له في الكوربة وقصر البارون.
لمعرفة المزيد من المعلومات والحكايات في مصر الجديدة، يمكنك استكشاف الروابط التالية:
دليلك الشامل لاكتشاف كل ما تحتاجه في مصر الجديدة!
من المحلات والشركات إلى الدكاترة بجميع التخصصات الطبية والمستشفيات والمطاعم، كل الأنشطة التجارية في مكان واحد. ستجد في هذا الدليل كل ما يساعدك على تلبية احتياجاتك بسهولة. استكشف الخيارات المتنوعة المتاحة أمامك لتجعل تجربتك أفضل.
لمتابعتنا والتعرف على كل جديد عبر فيسبوك:
دليل “كله في الدليل” – خدمة سكان مصر الجديدة والقاهرة
✨ #هنخلي_حياتك …. #جنة