أثارت الوقائع التي ارتبطت إعلاميًا باسم «سفاح المعادي» حالة واسعة من القلق والاهتمام، ولم يقتصر صداها وقتها على المعادي وحدها، بل امتد إلى أنحاء مصر والبلاد العربية وبعض الدول الأجنبية. وكان محمد مصطفى محمود هو المتهم الذي ارتبط اسمه بهذه القضية.
بدأت البلاغات المتعلقة بالاعتداءات في ديسمبر 2006، واستمرت القضية في التطور حتى القبض على المتهم، ثم إحالته إلى المحاكمة وصدور أحكام قضائية بحقه.
وُلد محمد مصطفى محمود في حي الشرابية داخل أسرة صغيرة كانت تقيم في شقة متواضعة. وتوفي والده وهو صغير، فاضطر إلى الاعتماد على نفسه، وبعد عدم إتمام تعليمه انتهى به الأمر إلى العمل حلاقًا في أحد محلات الدقي.
وبحسب الرواية الواردة في المادة، اتسم منذ طفولته بالانطواء والخجل الشديد. وعندما كبر، ورد أنه كان يمر بحالة من الإثارة والهياج الجنسي عند مشاهدة فتاة أو امرأة، في الوقت الذي لم يكن يستطيع فيه التعرف إليهن أو تكوين علاقات صداقة معهن.
ونقل المقربون منه أنه كان شديد الخجل، إلى درجة أنه كان يتصبب عرقًا إذا تحدث مع فتاة. أما جيرانه في المنزل الذي عاش فيه مع والدته وأخته وشقيقين، فقالوا إنهم لم يلاحظوا عليه تصرفات غير طبيعية، ولم يصدقوا في البداية أنه الشخص الذي عُرف باسم «سفاح المعادي».
واتخذ أصحاب محل الحلاقة الذي كان يعمل به موقفًا مشابهًا. كما أنكرت أسرته علاقته بتلك الجرائم، وأكدت أنه لم يعتدِ على أي فتاة في الحي الذي كانوا يقيمون فيه، وأنه لم يُحرر ضده محضر هناك.
بدأت الوقائع منذ ديسمبر 2006، عندما تلقت أجهزة الأمن بالقاهرة مجموعة من البلاغات، وخاصة في منطقة المعادي، عن تعرض فتيات لاعتداءات مفاجئة نفذها شخص مجهول.
كان المعتدي، بحسب البلاغات، يفاجئ ضحاياه من الخلف ويستخدم أداة حادة في تمزيق ملابسهن وكشف أجزاء من أجسادهن. وسجلت محاضر الشرطة في تلك المرحلة 4 حالات وقعت في أماكن متفرقة.
ورغم أن بعض الضحايا قدمن أوصافًا لملامح الشخص، فإن أجهزة الأمن لم تتمكن في تلك الفترة من كشف هويته أو القبض عليه. ومع انتشار أخبار الاعتداءات، سادت حالة من الخوف بين عدد من السيدات والفتيات.
فرضت أجهزة الأمن حراسة مشددة على منطقة المعادي خلال محاولات البحث عن مرتكب الاعتداءات، وتذكر المادة أنه جرى القبض على 3000 من المشتبه فيهم أثناء عمليات البحث.
جاء التحول الرئيسي في القضية يوم 10 فبراير 2009، عندما تلقى ضابط مباحث شبرا بلاغًا من أحد المواطنين بشأن شخص أثار شكوكه أثناء وقوفه أمام منزله في شبرا.
وعندما سأله المواطن عن سبب وجوده، أجاب بأنه جاء لزيارة أحد أصدقائه وذكر اسمًا وهميًا، لكن صاحب المنزل أخبره بأنه لا يوجد شخص يحمل هذا الاسم. وغادر المواطن بعد ذلك لقضاء بعض احتياجاته، ثم عاد ليجد الشخص نفسه داخل صحن المنزل، فقام بإبلاغ الشرطة.
تمكن ضباط مباحث شبرا من ضبطه، وخلال مناقشته اتضح أنه لم يكن صادقًا في حديثه مع صاحب البلاغ. ووفقًا للمادة، أشار في اعترافاته إلى أنه الشخص المعروف باسم «سفاح المعادي» والمتهم بالاعتداء على السيدات والفتيات في المعادي.
لم يصدق رجال الأمن حديثه في البداية، لكنهم تحفظوا عليه بسبب تقارب أوصافه مع الأوصاف التي سبق أن قدمتها بعض الضحايا.
مع استمرار التحقيقات، تطابقت أقوال بعض الضحايا مع اعترافات المتهم. وأقر بأنه كان يعتدي على ضحاياه من الخلف باستخدام أمواس ومشارط في أجزاء حساسة من أجسادهن، وهو ما دفع فريق التحقيق إلى مواصلة استجوابه وتسجيل أقواله.
وقال محمد مصطفى إنه ارتكب سلسلة من الاعتداءات على النساء منذ ديسمبر 2006 وحتى ضبطه، وإنه كان يستخدم آلة حادة في مهاجمتهن من الخلف.
وشملت المناطق التي ذكر وقوع اعتداءاته بها:
وعندما عُرض المتهم على الضحايا، تعرفت عليه الشاهدة الأولى وأكدت أنه الشخص الذي اعتدى عليها باستخدام آلة حادة. أما الشاهدة الثانية فقالت إنها لم تره أثناء الاعتداء عليها، في حين اعترف هو بالوقائع التي حُررت بشأنها محاضر الشرطة.
واصل المتهم اعترافاته أمام النيابة وألمح إلى ارتكابه وقائع أخرى نُسبت إليه، كما ذكر أنه لم يتعرض لإكراه من أجل الإدلاء بهذه الاعترافات. وأوضح في أقواله أنه اعتاد مشاهدة الأفلام الإباحية منذ صغره.
وعند حديثه عن أسباب ما ارتكبه، قال إنه لم يتمكن من إقامة علاقة سوية مع الجنس الآخر، وقدم ذلك في التحقيقات باعتباره الدافع وراء اعتدائه على الإناث في الطرق العامة بمناطق مختلفة من القاهرة.
ووفقًا لما ورد، كان يمسك ويلامس أماكن حساسة بعد قطع الجزء الساتر لها من الملابس بآلة حادة، سواء كانت مشرطًا أو موسًا، وهو ما كان يؤدي إلى إصابة الضحايا بجروح.
في فبراير 2009 قرر قاضي المعارضات بمحكمة الجلاء المصرية تجديد حبس محمد مصطفى لمدة 15 يوماً على ذمة التحقيقات، بتهمة التحرش بالنساء وتمزيق ملابسهن من الخلف.
ثم أحالت النيابة المتهم إلى محكمة الجنايات على خلفية وقائع حدثت خلال الفترة من 20 ديسمبر 2006 وحتى 24 نوفمبر 2007. واتُهم في أمر الإحالة بهتك عرض 9 فتيات أثناء سيرهن في الطريق العام وإصابتهن باستخدام «شفرة موس».
وشملت الوقائع المنسوبة إليه في هذه القضية مناطق المعادي والبساتين والأزبكية والساحل والزيتون وروض الفرج.
أصدرت محكمة جنايات القاهرة حكمًا بمعاقبة محمد مصطفى محمود السيد، وكان عمره 21 سنة ويعمل حلاقًا، بالسجن المشدد لمدة 45 سنة عن الوقائع الواردة في أمر الإحالة، بواقع خمس سنوات عن كل واقعة.
وأوضحت المحكمة في حيثيات الحكم الصادر برئاسة المستشار عادل عبد السلام جمعة أنها عاقبته بالسجن المشدد خمس سنوات عن كل واحدة من الوقائع التسع.
كما تناولت المحكمة، بحسب النص الوارد في المادة، ما ظهر لها من تحقيقات النيابة العامة وجلسات المحاكمة بشأن نشأة المتهم وسلوكه، إلى جانب إدمانه العادة السرية ومشاهدة الأفلام الجنسية الإباحية.
وبحسب ما ورد في حيثيات الحكم، استندت المحكمة إلى تقريري الطب الشرعي والنفسي اللذين أفادا بأن المتهم لا يعاني من مرض نفسي أو عقلي وأنه مسؤول مسؤولية كاملة عن أفعاله وتصرفاته.
وبعد صدور الحكم، تم ترحيل المتهم إلى محبسه في سجن طرة.
كانت محكمة جنح شبرا قد أصدرت في يونيو 2009 حكمًا آخر بمعاقبة المتهم بالحبس سنة مع الشغل عن جريمة الفعل الفاضح في مدخل أحد العقارات.
وكانت هذه الواقعة هي التي قادت في الأساس إلى الكشف عن هويته باعتباره الشخص المعروف بسفاح المعادي؛ إذ أبلغ أحد قاطني العقار الشرطة عنه، وبعد إلقاء القبض عليه كشفت التحقيقات عن الجرائم السابقة المنسوبة إليه.
اعترض دفاع المتهم على إصدار عقوبة منفصلة عن كل تهمة وواقعة من الوقائع المنسوبة إليه، وقال إن ذلك يخالف نص المادة 2 / 32 من قانون العقوبات.
وبحسب ما أورده الدفاع، فإن النص المشار إليه يقضي باعتبار الجرائم التي تقع لسبب واحد وتكون مرتبطة ببعضها ارتباطًا لا يقبل التجزئة جريمة واحدة، والحكم بالعقوبة المقررة لأشد تلك الجرائم دون النظر إلى عقوبات الجرائم الأخرى.
وكانت العقوبة المشار إليها خمس سنوات، ثم تذكر المادة أن الحكم خُفف بعد ذلك في النقض إلى سنتين.
بدأت قضية «سفاح المعادي» ببلاغات عن اعتداءات مجهولة الهوية في ديسمبر 2006، وظلت هوية المتهم غير معروفة حتى قادت واقعة مختلفة في شبرا إلى القبض عليه في 10 فبراير 2009.
ومن التحقيقات والتعرف عليه من إحدى الضحايا إلى الإحالة للجنايات والأحكام التي صدرت لاحقًا، أصبحت القضية واحدة من أشهر الحوادث الجنائية التي ارتبط اسمها بمنطقة المعادي.
من المحلات والشركات إلى الدكاترة بمختلف التخصصات الطبية والمستشفيات والمطاعم، يجمع لك دليل المعادي الأنشطة والخدمات في مكان واحد لتصل إلى ما تحتاجه بسهولة.
تابع أيضًا أخبار وخدمات المعادي عبر صفحتنا على فيسبوك:
المعلومات التاريخية الواردة في هذا المقال مستندة إلى كتاب «المعادي في قلب التاريخ» لمؤلفه عادل الغيطاني.
لو حابب تتعرف بشكل أوسع على تاريخ المعادي وحكاياتها، يمكنك الرجوع إلى كتاب «المعادي في قلب التاريخ» لاكتشاف المزيد من التفاصيل والصور والحكايات عن المنطقة.